الشيخ محمد رشيد رضا
482
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أعماهم واصمهم مرة أخرى ، فتركهم لا يبصرون ما جاء به من النور والهدى ، وما هو عليه من النعوت والصفات التي أشار إليها النبيون في بشاراتهم به ، ولا يسمعون ما يتلوه عليهم من الآيات ، وما فيها من الحجج والبينات ، وسيعاقبهم اللّه تعالى على ذلك بمثل ما عاقبهم على ما قبله . وقد غفل عن هذا المعنى جمهور المفسرين فجعلوا « يَعْمَلُونَ » بمعنى الماضي . ونكتة التعبير به استحضار صورة أعمالهم في ماضيهم ، وتمثيلها لهم ولغيرهم في حاضرهم ، كما قلنا في تفسير « وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ » وما قلناه أقوى وأظهر ، وانما تحسن هذه النكتة في العمل المعين المهم الذي يراد التذكير به بعد وقوعه بجعل الزمن الحاضر ، مرآة للزمن الغابر ، ولا يظهر هذا الحسن في الاعمال المطلقة المبهمة ومن مباحث اللفظ ان أبا عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب قرأوا « أن لا تكون » والأصل حينئذ : وحسبوا أنه - أي الحال والشأن - لا تكون فتنة ، فخففت أن المشددة وحذف ضمير الشأن المتصل ، وأشرب الحسبان معنى العلم كما تقدم . ثم انتقل من بيان حال اليهود إلى بيان حال النصارى في دينهم فقال عز وجل : * * * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ أكد تعالى بالقسم كفر قائلي هذا القول من النصارى ، إذ علوا في إطراء نبيهم المسيح بن مريم عليه السّلام ، غلوا ضادوا به غلو اليهود في الكفر به ، وقولهم عليه وعلى أمه الصديقة بهتانا عظيما ، ثم صار هو العقيدة الشائعة فيهم ، ومن عدل عنها إلى التوحيد يعد مارقا من دينهم ، ذلك بأنهم يقولون إن الإله مركب من ثلاثة أصول يسمونها « أقانيم » وهي الآب والابن وروح القدس ، ويقولون إن المسيح هو الابن ، واللّه هو الآب ، وان كل واحد من الثلاثة عين الآخرين ، فينتج ذلك أن اللّه هو المسيح ، وان المسيح هو اللّه بزعمهم . وقد تقدم تفسير مثل هذه الجملة في تفسير الآية ال 19 من هذه السورة ( راجع ص 306 من هذا الجزء ) وَقالَ الْمَسِيحُ : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ أي والحال ان المسيح قال لهم ضد ما يقولون : أمرهم بعبادة اللّه تعالى وحده ، معترفا بأنه ربه وربهم ، فاعترف بأنه عبد مربوب للّه تعالى ، ودعا بني إسرائيل الذين أرسل إليهم أن يعبدوا